وباء الدجاج في اليمن: حين تتحول الصروح الأكاديمية إلى منصات تسويق للمشاهير
أزمة النيوكاسل وقطاع الدواجن في اليمن: حين تتحول الصروح الأكاديمية إلى منصات تسويق للمشاهير
شهد قطاع الدواجن في اليمن مؤخراً أزمة خانقة تزامنت مع ظهور مرض النيوكاسل الوبائي بين الدجاج، وهو حدث كان يتطلب تعاملاً عقلانياً، شفافاً، وعلمياً يوازن بين طمأنة المستهلك وحماية الاقتصاد الوطني. غير أن الإدارة الإعلامية والتسويقية لهذه الأزمة جاءت لتكشف عن خلل بنيوي عميق في طريقة التعاطي مع القضايا الصحية العامة، محولةً إياها إلى دراما تسويقية أضرت بالجميع، بدءاً من المربين وصولاً إلى أعرق المؤسسات الأكاديمية.
البداية: بيان رسمي وغياب الشفافية الميدانية
أصدرت وزارة الزراعة بياناً رسمياً وعقدت مؤتمراً صحفياً أكدت فيه بوضوح أن مرض النيوكاسل لا يشكل خطراً على صحة الإنسان، موضحة الأبعاد العلمية والطبية لهذا الوباء الحيواني.
وكان المأمول والمنطقي أن ينهض مالكو قطاع الدواجن وكبار المنتجين بهذه المعلومة، وينطلقوا بها فوراً إلى الجمهور عبر خطاب توعوي شفاف ومباشر يشرحون فيه طبيعة المرض، أخطاره على الدواجن فقط، وكيفية الوقاية منه. لكن ما حدث كان مغايراً تماماً؛ إذ تم تسليم الملف بالكامل لمشاهير شبكات التواصل الاجتماعي.
حملة المشاهير: فوائد البيض في توقيت خاطئ ومقاطعة متزايدة
بدلاً من مواجهة المخاوف الشعبية وتوضيح الحقيقة العلمية للمرض، انطلقت حملة مدفوعة الأجر عبر "المشاهير" استمرت لأسبوع كامل، ركزت حصرياً على الترويج لفوائد البيض والدجاج، متجاهلة تماماً الرد على تساؤلات الشارع حول الوباء.
تزامن كارثي: تصادفت هذه الحملة السطحية مع حملة مقاطعة شعبية واسعة ("نظام الطيبات")، مما ضاعف من حالة الريبة لدى المستهلك اليمني.
فقدان الثقة: تعمق الهوة بين الجمهور وهؤلاء المؤثرين، لكون الغالبية منهم مجرد أدوات ربحية لا تلتزم بالمعايير الأخلاقية والإعلامية للترويج الصادق، وينحصر همّهم الأول والأخير في جني المال بغض النظر عن خطورة الرسالة أو توقيتها.
جامعة صنعاء: من منبر بحثي أكاديمي إلى "ختام تسويقي"
تمثلت الكارثة الكبرى في إقحام جامعة صنعاء – تلك المؤسسة التاريخية والعريقة التي تمثل قلعة للبحث العلمي والأكاديمي في اليمن – لتكون مسك الختام لهذه الحملة التسويقية.
كان الدور المفترض لجامعة صنعاء ومراكزها البحثية هو عقد ندوات وورش عمل علمية متخصصة تناقش المرض بأوراق بحثية رصينة، وتوضح بدقة أضراره البيئية والاقتصادية، وكيفية حماية قطاع الدواجن، ليتم بعد ذلك الخروج بتوصيات علمية ترفع للجهات المختصة (وزارة الصحة ووزارة الزراعة) للتعامل معها كل بحسب اختصاصه.
إلا أن ما جرى كان استغلالاً غير مبرر لصرح أكاديمي عريق، وجعله ختاماً لحملة تسويق تجارية بحتة. إن الجامعات هي منارات للعلم والمعرفة وليست صالات أفراح أو منصات إعلانية.
مفارقات مؤلمة: حين يغيب الفرق بين العزاء والأفراح والصروح العلمية
إن المشهد الذي أشرت إليه يعكس تماماً حالة "العمى التسويقي" وغياب الوعي المجتمعي لدى بعض المؤثرين؛ فأولئك الذين لا يفرقون سابقاً بين صالات العزاء وأجواء الأفراح سعياً خلف الترند وجمع المشاهدات، هم أنفسهم اليوم من لا يفرقون بين حرمة صروح العلم الأكاديمية (كجامعة صنعاء) وبين الأسواق التجاريّة وصالات التسويق، غير مبالين بضرب القيم المؤسسية والمكانة العلمية عرض الحائط متى ما كان المقابل مادياً.
خلاصة القول
إن أزمة مرض النيوكاسل في اليمن لم تكن مجرد وعكة أصابت قطاع الدواجن، بل كانت اختباراً حقيقياً لمدى احترام المؤسسات والقطاع التجاري للمعايير المهنية والأخلاقية. وحين تُدار الأزمات الصحية بمنطق "السمسرة التسويقية" وتُزج الصروح العلمية في أتونها، فإن الخاسر الأكبر ليس المنتج وحده، بل الوعي الجمعي والثقة بالمؤسسات الوطنية برمتها.

تعليقات