قراءة تحليلية لظاهرة الاتجار بالبشر وأشكال الاستغلال في المجتمع اليمني
بقلم: علي ناصر علي الجلعي
رئيس المؤسسة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر
تنوية :هذا المحتوى لأغراض التوعية والارشاد فقط. لا نشجع أي سلوك ضار. هدفنا حماية المجتمع
إن مفهوم "الاتجار بالبشر" يُعد من المصطلحات التي يصعب فهمها واستيعابها بدقة في اوساط المجتمع اليمني، رغم الوجود الفعلي لهذه الظاهرة بصور متعددة. فيظن البعض خطأً أن هذا المصطلح يقتصر فقط على وجود سوق علنية لتجارة وبيع البشر، بينما تتسع دلالاته الواقعية والقانونية لتشمل أشكالاً متعددة من الاستغلال والقهر.
المفهوم القانوني والدولي للاتجار بالبشر
يعتمد التعريف الشامل للاتجار بالبشر على النص القانوني الوارد في بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالبشر، وبخاصة النساء والأطفال، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة. ويُعرّف بأنه:
الاستخدام والنقل والإخفاء والتسليم للأشخاص من خلال التهديد أو الاختطاف أو الخداع، واستخدام القوة والتحايل أو الإجبار، أو من خلال إعطاء أو أخذ فوائد لاكتساب موافقة وقبول شخص يقوم بالسيطرة على شخص آخر بهدف الاستغلال الجنسي أو الإجبار على القيام بالعمل».
وطبقاً لهذا البروتوكول، يمكن تقسيم صور الاتجار بالبشر إلى قسمين رئيسيين:
1 الاتجار للأغراض الجنسية: حيث يُفرض على الضحية ممارسة نشاط جنسي مقابل أجر أو قسراً عبر التهديد والخداع والإكراه، أو أن يكون الضحية قاصراً لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره.
2 الاستغلال والعمل القسري: ويشمل تجنيد أو إيواء أو نقل أو توفير أو امتلاك البشر من أجل العمل أو الخدمة عن طريق القوة أو الخداع بهدف الإخضاع لعهدودية قسرية، أو استغلال غير مشروع كضمان الدين أو الرق.
وعموماً، تستهدف هذه الممارسات الإجرامية ثلاث فئات اجتماعية رئيسية هي: الأطفال، النساء، والعمال.
تجليات الظاهرة في الواقع اليمني
حين نقارن هذه المفاهيم الدولية بواقعنا المحلي في اليمن، نجد مظاهر مؤلمة تؤكد حضور الظاهرة بأشكال مختلفة:
استغلال الأطفال: يتم تهريب بعض الأطفال إلى الدول المجاورة لاستغلالهم في أغراض التسول أو الأعمال غير المشروعة، فضلاً عن زجهم في الصراعات المسلحة كما هو مشاهد في محافظة صعدة، حيث يستغل المتمردون الأطفال في أتون الحرب الدائرة، واستخدامهم في تهريب الأسلحة وعمليات التفخيخ.
استغلال النساء: تشير التقارير الرسمية والحقوقية – مثل التقرير الصادر عن السفارة الأمريكية بصنعاء والمنشور في وسائل الإعلام – إلى قيام بعض العصابات باستغلال الفتيات القاصرات والزج بهن في ممارسات غير اخلاقية، إضافة إلى ما يُعرف بـ "السياحة الجنسية" التي يستغلها بعض الوافدين من دول الخليج، وهي حقائق لا يمكن إنكارها.
الاستغلال العمالي الفادح: يتحول عقد العمل في كثير من الأحيان إلى "عقد استعباد" يمارسه بعض النافذين وأصحاب الشركات الكبرى، وخصوصاً في قطاع النقل. فعامل التكسي التابع لشركة خاصّة يعمل طوال اليوم لنحو 14 ساعة متواصلة (من التاسعة صباحاً حتى الحادية عشرة ليلاً) دون حساب لساعات العمل الإضافية، بل وفق نظام "الهدف اليومي" المفروض عليه تحقيقه. وإذا عجز عن تحقيق المبلغ، يُجبر على الدين أو بيع مقتنياته الشخصية، وإن تعطل يوم واحد يتهدد شبح الجوع أسرته! وهناك برامج تمليك وهمية للسيارات بأسعار مضاعفة لأضعاف ثيمها الحقيقي ولمدة ثلاث سنوات حتى تنتهي صلاحية السيارة، وهو اتجار بالبشر عيانياً دون رقيب أو حسيب.
دكاكين الأعشاب والشعوذة: استغلال رخيص لصحة البشر
ومن مظاهر الاستغلال البشري الخطيرة في بلادنا الانتشار العشوائي لدكاكين "الطب الشعبي والاعشاب" في أحياء العاصمة صنعاء وعموم المحافظات، دون أي رقابة أو معايير صحية. يتم في هذه الدكاكين اتخاذ المرضى حقول تجارب يومية وكأن البشر فئران تجارب، في ظل صمت حكومي مريب يوحي لدى المجتمع بأن هؤلاء الدجالين يحظون بحماية ودعم من قيادات عليا!
إذ تجد في واجهة دكاكين الكذب والشعوذة صوراً لأحد رموز الدولة، لتبدأ عملية النصب والدجل على المواطنين. وحين يتحرك مندوبو مكتب الصحة، غالباً ما تنتهي القضية برشوة مالية وتُطوى الصفحة. بل إن بعض هؤلاء المتطاولين يتجرا على وصف وزارة الصحة بـ "العجوز الشمشطاء"، رغم خطورة تناول الصحافة لهذا العبث بصحة الإنسان. وهنا نوجه تساؤلاً مشروعاً إلى الدكتور عبدالكريم راصع (وزير الصحة السابق/المعني): هل أطباء الاعشاب عصيّون على القانون والدولة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلا نستغرب إن حمل هؤلاء السلاح بوجه الدولة غداً!
إن حماية النفس البشرية وصونها أوجب من حماية الحيوان الذي سُنت لأجله القوانين الدولية والمحلية، ومواجهة هذه التجاوزات أصبحت ضرورة وطنية وأخلاقية لا تقبل التاجيل

تعليقات