القاتل الصامت في منازلنا: لماذا نغيب "رائحة الغاز" وما هو ثمن هذا الإهمال؟

القاتل الصامت في منازلنا: لماذا يغيب "الأمان" عن أسطوانات الغاز في اليمن؟
بقلم: علي ناصر الجلعي رئيس المؤسسة الوطنية لمكافحةالاتجاربالبشر
في كل منزل يمني، تقبع أسطوانة غاز يُفترض أنها وسيلة لطهي الطعام، لكنها في الآونة الأخيرة تحولت إلى "قنبلة موقوتة" لا يمكن التنبؤ بموعد انفجارها. والسبب ليس في الغاز نفسه كوقود، بل في غياب "الإنذار المبكر" الذي يحمي الأرواح: رائحة الغاز.
الحقيقة العلمية: غاز بلا هوية
من الناحية العلمية، غاز "البيوتان" و"البروبان" المستخدم في المنازل هو غاز عديم اللون والرائحة تماماً. ولأن تسربه يشكل خطراً فتاكاً، تعمد شركات الغاز عالمياً إلى إضافة مادة كيميائية تسمى "إيثيل ميركابتان" (Ethyl Mercaptan)، وهي مادة ذات رائحة نفاذة جداً تشبه "البيض الفاسد" أو "الكبريت".
هذه الرائحة ليست عيباً في التصنيع، بل هي أهم معيار للأمان؛ فمهمتها الوحيدة هي إخبارك بوجود تسرب قبل أن تصل نسبة الغاز في الهواء إلى مرحلة الانفجار.
المأساة اليمنيّة: غياب الرائحة وحصد الأرواح
ما يشهده المواطن اليمني اليوم هو كارثة حقيقية؛ حيث تصل الأسطوانات إلى المنازل وهي تفتقر تماماً لهذه الرائحة أو تحتوي على نسب ضئيلة لا تكفي للتنبيه. النتيجة؟ يتسرب الغاز بصمت، يملأ أركان المطبخ والمنزل، وعند أول محاولة لإشعال الموقد أو حتى الضغط على مفتاح الكهرباء، تقع الكارثة.
إن حوادث الانفجارات والحرائق التي نسمع عنها يومياً، والتي حصدت أرواح عائلات بأكملها، لم تكن "قضاءً وقدراً" فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لإهمال معايير الجودة والسلامة في عدم إضافة هذه المادة المنبهة من قبل الشركة اليمنية للغاز والجهات المعنية.
رسالة إلى الشركة اليمنية للغاز
إن إضافة مادة "الميركابتان" ليست خياراً ثانوياً أو رفاهية، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية. إن توفير تكاليف هذه المادة أو الإهمال في معايرة نسبها في وحدات التعبئة والموانئ هو استهتار صريح بحياة ملايين المواطنين.
نطالب من خلال هذا المنبر بضرورة:
1. تشديد الرقابة على كافة شحنات الغاز المستوردة والمحلية والتأكد من مطابقتها للمعايير الدولية.
2. الشفافية التامة مع المواطن حول أسباب غياب هذه الرائحة في بعض الفترات.
3. تحديث منشآت التعبئة لضمان خلط المواد المنبهة بالغاز بشكل دقيق ومستمر.
دليل السلامة للمواطنين: كيف تحمي نفسك في غياب الرائحة؟
بما أننا نواجه واقعاً يفتقر فيه الغاز للرائحة القوية، فعلى كل رب أسرة اتباع إجراءات احترازية بديلة:
• اختبار الرغوة الدائم: لا تعتمد على حاسة الشم. استخدم إسفنجة مبللة بالماء والصابون على الصمام والخرطوم؛ إذا ظهرت فقاعات، فهناك تسرب فوراً.
• التهوية المستمرة: اجعل مطبخك دائماً جيد التهوية. لا تغلق النوافذ تماماً أثناء النوم أو الخروج من المنزل.
• جهاز إنذار الغاز: إذا كان بمقدورك، اشترِ جهاز كاشف الغاز الإلكتروني (Gas Detector) الذي يُباع في محلات الكهرباء؛ فهو يتحسس الغاز ويرن بقوة حتى لو لم تكن له رائحة.
• إغلاق الصمام: تعوّد على إغلاق صمام الأسطوانة فور الانتهاء من الطبخ، خاصة قبل النوم.
خاتمة
إن الأرواح التي تزهق والبيوت التي تدمر بسبب حرائق الغاز هي جرح ينزف في جسد الوطن. لن نتوقف عن التوعية ولن نصمت عن المطالبة بحقنا في "أسطوانة غاز آمنة". السلامة حق لكل مواطن، وإعادة الرائحة للغاز هي الخطوة الأولى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
حفظ الله اليمن وأهله من كل سوء.
تعليقات