هيبة الدولة بين الشاشات الرسمية وواقع الشارع: قراءة نقدية للانفلات الأمني وغياب سيادة القانون

مقال توعوي عن مكافحة الاتجاربالبشر في اليمن








بقلم: علي ناصر علي الجلعي
البريد الإلكتروني: alnasser1975@hotmail.com

تنوية مقال توعوي حقوقي عن مكافحة الاتجاربالبشر 

أولاً، كل عام وأنتم بخير، ووطننا الحبيب ينعم بالخير والسلام. وأنا في حالة من الاستذكار واسترجاع الأحداث التي تدور في بلادنا الحبيبة، وأمام شاشة التلفاز وخصوصاً "الفضائية اليمنية"، تولد لدي إحساس عميق بوجود هيبة الدولة من خلال نشرات الأخبار التي تعرض أنشطة مسؤولي الدولة وحضورهم المهرجانات والفعاليات الرسمية. ونلاحظ الخطابات الرنانة التي تزخر بأجمل وأحسن الألفاظ، مما يوحي بأن الوطن في أمن وأمان تام، وأن ما يجري ليس سوى استغلال سلبي للمناخ الديمقراطي.

بين الشاشة الرسمية وواقع الشارع المؤلم

ولكن، وبدون سابق إنذار، دفعتني غريزة حب الاستطلاع البشرية للانتقال من الفضائية اليمنية إلى قنوات إخبارية أخرى؛ لأسمع وأرى صوراً يندى لها الجبين تحكي قصص قطع الطرق، والمظاهرات، وأرتالاً من البشر ترفع شعارات وتردد هتافات انفصالية. هنا، تساءلت بحرقة: أين الحقيقة من الخيال؟ لقد أُصبت بيأس شديد، ووجدت أن الحل الأمثل هو النزول إلى الشارع، كونه سيد الموقف والمقياس الحقيقي للنبض العام.

وما إن نزلت إلى الشارع حتى سمعت ما لا طاقة لي به؛ فالناس تشكو من رداءة الخدمات الضرورية بل وتام فقدانها، فلا توجد مياه ولا كهرباء مستقرة، وهو حال يعرفه الكثيرون منا. والأمر الإداري المؤلم أن النافذين ورجال الدولة الكبار هم من يخرقون النظام والقانون جهاراً نهاراً دون حسيب أو رقيب، يمارسون أقسى أنواع البلطجة والنهب والاستهتار بالتشريعات، حتى على مستوى رفضهم السافر لتسديد فواتير الكهرباء والمياه والهاتف. في المقابل، إذا تجاوزت فاتورة المواطن المسكين خمسة آلاف ريال بسبب ضيق حاله وعدم قدرته على السداد، يُقطع عنه التيار فوراً ولا يعاد إلا بعد دفع غرامة إعادة التوصيل!

أما قيادات الدولة والمسؤولون المنوط بهم تنفيذ القانون – والذين يظهرون في وسائل الإعلام بصورة حماة للنظام – فهم في الواقع مخترقوه ومعطلوه، إذ لا يتجرا أحد أن يقترب من منازلهم، وكل موظف وعامل ومدير عام يدرك تماماً ما سيكون مصيره إن فعل، وهي حقيقة ندركها جميعاً، وإن آثر البعض العمل بالمثل القائل: "الباب اللي تجيك منه ريح سده واستريح". ومن لا يصدق، فليطلع على مديونيات المؤسسات الإيرادية الحكومية ليرى الهول بعينه.

مفارقات العدالة وحادثة المقدم بسام طربوش

ومما يؤسف له حقاً هو ذلك التحالف القائم بين رجال الأعمال والمتنفذين في الدولة؛ فعندما نسمع عن اختطاف تاجر أو شخصية كبيرة، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتظل الأجهزة الأمنية في حالة استنفار قصوى رفقة وسائل الإعلام حتى يعود سالماً غانماً. أما إذا كان المختطف شخصية وطنية أو أمنية من الكوادر البسيطة، فالأمر يختلف كلياً!

ولعل أبرز مثال على ذلك ما تعرض له المقدم بسام سليمان طربوش، رئيس قسم التحريات بالبحث الجنائي، الذي اختطف وبقي مصيره غامضاً لأشهر دون أن نلتقي بأي تغطية إعلامية رسمية سوى عبر أسرته المكلومة. لقد كان الرجل يحارب تنظيم القاعدة وتجار المخدرات، وأحبط قبل اختطافه عملية تهريب كبرى للخمور والمخدرات، دون أن توفر له الدولة الحراسة الأمنية اللازمة بحكم طبيعة عمله وموقعه الحساس في محافظة مأرب.

خلال تلك الفترة الطويلة، كان بإمكان وزارة الداخلية بذل كل طاقاتها للإفراج عنه، حتى ولو بالمقايضة، فهو يمثل رمزاً لهيبة الدولة، وإهانته تعتبر إهانة للدولة بأسرها. ومع الأسف الشديد، لم تحرك وزارة الداخلية ساكناً، حتى قامت عناصر تنظيم القاعدة بإعدامه وبث تفاصيل ذلك في شريط فيديو عبر الإنترنت. والأدهى من ذلك أننا لم نسمع إلى يومنا هذا أي بيان رسمي ينعي الفقيد أو يوضح للرأي العام الحقائق؛ والسكوت علامة الرضا، مما يفتح باب الشكوك على مصراعيها حول من يقف خلف هذه النهاية المأساوية.

الانفلات الأمني ومخاطر الإفلات من العقاب

إن ما يدور من انفلات أمني مرعب سببه الرئيسي هو ضعف هيبة الدولة وغياب الردع الحازم. بالله عليكم، لو سمعنا أن الدولة شنت حملة عسكرية واسعة على الخاطفين وضربت بيد من حديد، وسمعنا أن قوات الأمن دحرت أوكار الجريمة وقتلت الخاطفين ومن أواهم، فهل سنسمع عن عملية اختطاف أخرى مستقبلاً؟ الجواب: لا والف لا، طالما أصبح مصير الجاني معلوماً وصارماً.

أما عندما تصبح نهايات عمليات الاختطاف دفع مبالغ مالية ومساومات، فسنرى غداً آلاف المختطفين من أجل تلبية رغبات العصابات. وهنا تكمن الخطورة الكبرى التي تضعف هيبة الدولة وتجعلها مصدراً للابتزاز وتلبية المطالب غير المشروعة.

وكذلك الحال عندما نسمع عن أعمال قطع الطرقات بين عدن وصنعاء وقتل المواطنين الأبرياء، ويُنسب ذلك لتصريحات باردة لمصدر مسؤول، فأين هيبة الدولة؟ لو تم القبض على مرتكبي جرائم مثل جريمة "حبيل جبر" ومحاكمتهم وإعدامهم علناً، لما تجرأ أحد على ارتكاب هذه الفظائع. فلماذا عجزت الأجهزة الأمنية عن القبض على الجناة؟

نحن لا نريد بيانات تنديد واستنكار جوفاء؛ بل نريد محاسبة كل مقصر في أداء واجبه. وجود مسلحين يقطعون الطرقات هو الدليل القاطع على غياب الأمن، والمعروف جيداً من يتحمل المسؤولية. ولو حوسب كل مدير قصر في عمله، وكل وزير تهاون في مسؤوليته، لحرص كل فرد على أداء واجبه الأكمل إدراكاً منه بوجود مبدأ "الثواب والعقاب". لكننا للأسف نتبع سياسة "ما بدا بدا ليليها"، وسنظل هكذا حتى تضامحل الأمور، وتفلت السيطرة، ويحدث ما لا تحمد عقباه.

إن قطع الطرقات وسلب وقتل المواطنين مؤشر خطير للغاية يجب الوقوف تجاهه بجدية كاملة في ظل الظروف الراهنة. وإذا دعينا إلى الحوار، فهذا بمفرده لا يكفي؛ بل لابد من إيجاد وتفعيل قنوات حوار حقيقية على أرض الواقع تلمس هموم المواطن وتحفظ أمنه 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف تحمي طفلك من الاستدراج والابتزاز الإلكتروني؟ (دليل قانوني وتقني للآباء)

دليل مدونة الناصر لتأمين الواتساب من الاختراق: خطوات عملية لحماية خصوصيتك 2026

بيان هام: المؤسسة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر تدين "الاهمال المتعمد لليمنيين بالغاز منزوع الرائحة والذي يعتبر حماية

حوادث الغاز عديم الرائحة الاسباب والحماية والمسئولية القانونية 2026

دراسة ميدانية 2007: واقع مخرجات التعليم الجامعي في اليمن وعلاقتها بسوق العمل [تحديث 2026