"إقطاعية المياه في الحداء: عندما يتحول ’العرف‘ إلى جريمة لسلب الأرزاق"
بقلم: علي ناصر الجلعي
لا تزال مديرية الحداء في محافظة ذمار تشهد واحدة من أبشع صور الاستغلال الممنهج، حيث تُنتهك حقوق المزارعين في مناطق "بيت أبوعاطف" و"بني جلعة" جهاراً نهاراً. القضية ليست مجرد سوء تفاهم حول تكاليف تشغيل، بل هي ممارسة "إقطاعية" يتم فيها تجريد المزارع من أصل ملكيته في مياه الآبار الارتوازية، وبيع حصته لحسابات خاصة لسنوات طوال، في تجاوز صارخ لكل الأعراف القبلية السوية والقوانين النافذة.
التوصيف القانوني: "المصادرة غير المشروعة"
ما يحدث في بعض آبار هذه المناطق يخرج عن نطاق "التنظيم" ليدخل في نطاق "الجريمة الاقتصادية". فالمزارع الذي ساهم بماله وأرضه في تأسيس البئر، يمتلك حقاً عينياً لا يسقط بالتقادم ولا بالتعثر المالي.
- قاعدة "الخراج بالضمان": في الفقه الإسلامي والقانون المدني اليمني، من يضمن خسارة الشيء يملك غلته. وبما أن المزارع هو "الشريك" الذي يتحمل تبعات حفر البئر، فإن منعه من ناتجه (الماء) لسنوات (5-10 سنوات) هو استلاب للحقوق.
- التعسف في استعمال الحق: تنص المادة (27) من القانون المدني اليمني على أن استعمال الحق يكون غير مشروع إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر. فكيف يُحرم مزارع من مصدر رزقه الوحيد لأجل دين بسيط يمكن جدولته؟
جريمة "الإثراء بلا سبب" وسرقة العوائد:
إن إدارة البئر التي تضع يدها على حصة المزارع المتعثر وتبيعها لـ "الوايتات" أو لمزارع القات البعيدة، تحقق أرباحاً طائلة تتجاوز بعشرات الأضعاف مبلغ "الدين" الأصلي. هذا الفعل يُكيف قانوناً تحت بند "الإثراء بلا سبب على حساب الغير"، ويُلزم القائمين عليه قانوناً برد كافة المبالغ التي جنوها من بيع ماء المزارع بعد خصم الدين الفعلي فقط.
قانون المياه.. الغائب الحاضر:
يؤكد قانون المياه رقم 33 لسنة 2002 في مادتيه (21، 22) أن حقوق الانتفاع بالمياه مرتبطة بالأرض والاحتياج، ولا يجوز تحويلها إلى "سلعة احتكارية" بيد قلة من القائمين على الآبار. كما أن القانون يمنح الهيئة العامة للموارد المائية الحق في التدخل الفوري لضبط أي تلاعب بتوزيع الحصص المائية.
رسائل قانونية وحقوقية عاجلة:
- إلى القضاء والنيابة في الحداء: إن صمتكم عن هذه "العقود الجائرة" التي يفرضها القائمون على الآبار هو إقرار بشرعية الغاب. يجب فتح تحقيق في سجلات بيع المياه للآبار المشكو بها، ومطابقة الأرباح المجنية بحجم الديون المدعاة.
- إلى المشايخ والعقلاء: العرف القبلي وُجد "للنصرة والعدل"، وما يحدث في بيت أبوعاطف وبني جلعة هو "عيب أسود" وسلب للممتلكات لا يقره عرف ولا مروءة.
- إلى المزارعين المتضررين: القانون يكفل لكم رفع دعوى "استرداد حيازة" ودعوى "تعويض عن الكسب الفائت". إن سلب مائكم لخمس سنوات هو بمثابة مصادرة لأرضكم، والسكوت عن ذلك يشجع المستغلين على التمادي.
الخاتمة:
إن استمرار هذا الاستغلال الممنهج في الحداء يهدد بكارثة اجتماعية وأمنية. فلا يمكن لمزارع أن يرى أرضه تموت وهو يملك الماء "شرعاً وقانوناً" بينما يذهب ريعه لجيوب المتاجرين بحقوق الناس. آن الأوان لتطبيق سيادة القانون وإنهاء حقبة الإقطاع المائي في ذمار.
نحو حلول جذرية: كيف ننهي "تغوّل" إدارات الآبار؟
لإيقاف هذا الاستنزاف الحقوقي والمالي في بيت أبوعاطف وبني جلعة، نقترح الآليات التالية كحلول عادلة تضمن حق البئر في التحصيل وحق المزارع في البقاء:
- تشكيل "لجنة رقابة مائية مجتمعية": تتكون من شخصيات مشهود لها بالنزاهة من أبناء المنطقة، وبالتنسيق مع فرع الهيئة العامة للموارد المائية بذمار، للإشراف على سجلات الحسابات المائية وضمان عدم انفراد "إدارة البئر" بالقرار.
- آلية "الخصم المقسط": بدلاً من المصادرة الكلية للماء، يُقترح قانوناً وعرفاً تخصيص نسبة معينة (مثلاً 20% أو 30%) من حصة المزارع المائية لبيعها لسداد دينه، مع تمكينه من بقية حصته لري أرضه، وبذلك نضمن سداد المديونية دون تدمير المزارع.
- الشفافية في "كشوفات البيع": يجب إلزام إدارات الآبار بإصدار كشوفات شهرية توضح كمية المياه المباعة من حصة المتعثرين وسعر البيع، لضمان عدم ضياع فارق السعر في جيوب المستفيدين، واعتبار ما زاد عن "أصل الدين" أمانة تُرد للمزارع أو تُرحل لحسابه.
- التوعية القانونية بـ عقد الشركة: يجب توضيح أن المساهم في البئر هو "شريك" وليس "مستأجراً"، والقانون المدني اليمني يحمي الشريك من غبن شركائه، وأي بند في لوائح الآبار الداخلية يخالف ذلك يُعتبر "شرطاً باطلاً" قانوناً ولا يُعتد به.
الكلمة الأخيرة:
إننا نأمل من الجهات المسؤولة في محافظة ذمار أن تضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه استغلال حاجة الناس. فما ضاع حق وراءه مُطالب، وقوة القانون في نهاية المطاف هي الحصن المنيع الذي سيفكك قيود الإقطاع المائي في الحداء.
للمزيد زورو قناتنا في اليوتيوب وصفحة المؤسسة الوطنية لمكافحة الاتجاربالبشر فيسبوك
:
googled110b9be6ded377e.html

تعليقات