اليمن بين مطرقة الانقسام النقدي وسندان الحقوق: هل يصنع الاقتصاد ما عجزت عنه السياسة؟
اليمن بين مطرقة الانقسام النقدي وسندان الحقوق: هل يصنع الاقتصاد ما عجزت عنه السياسة؟
بقلم:أ/علي ناصرالجلعي رئيس المؤسسة الوطنية لمكافحة الاتجاربالبشرسفيرالنوايا الحسنةلمنظمة بعثة السلام الدولية عام 2014م
يعيش اليمن اليوم حالة من "اللا حرب واللا سلم"، وهي وضعية ضبابية جعلت من الملف الإنساني والاقتصادي ساحة المواجهة الحقيقية. وبينما تنشغل الطاولات السياسية ببحث خرائط الطريق، يظل المواطن اليمني معلقاً بين استحقاقين لا يقلان أهمية عن وقف إطلاق النار: تأمين لقمة العيش عبر صرف المرتبات، وحماية كرامته من خلال احترام حقوق الإنسان.
حقوق الإنسان: ما وراء الرصاص
إن مفهوم السلام في اليمن لا يجب أن يقتصر على صمت المدافع، بل يجب أن يمتد ليشمل "السلام الحقوقي". فالحق في التعبير، والحماية من الاعتقال التعسفي، وحرية التنقل هي جوهر السلام المستدام. إن التقارير الحقوقية لعامي 2025 و2026 تؤكد أن غياب المحاسبة يغذي استمرار الانتهاكات، مما يجعل أي تسوية سياسية هشّة ما لم تضع العدالة الانتقالية وجبر ضرر الضحايا كحجر زاوية.
إشكالية المرتبات وفجوة المعيشة (أرقام 2026)
تحول ملف الرواتب إلى "لغم" يهدد الاستقرار؛ فالموظف في اليمن يواجه واقعاً اقتصادياً مرعباً:
- تآكل الأجور: يبلغ متوسط الراتب الشهري حوالي 85,000 ريال يمني (ما يعادل 60 إلى 100 دولار تقريباً حسب سعر الصرف المتقلب)، في حين تصدر اليمن قائمة "الأغلى معيشة" عربياً نتيجة التضخم الجامح.
- تكلفة المعيشة: ارتفعت تكلفة السلة الغذائية الأساسية بنسبة تجاوزت 26%، حيث أصبح تأمين وجبات بسيطة لأسرة متوسطة يتطلب أضعاف الراتب الحكومي الحالي.
- الدعم الخارجي: تم توقيع اتفاقيات دعم مالي مؤخراً (مارس 2026) بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي لمحاولة تغطية عجز الموازنة وضمان انتظام صرف مرتبات القطاع المدني.
لغز العملة وتوحيد البنك المركزي
لا يمكن الحديث عن حل لأزمة المرتبات دون معالجة "الشرخ النقدي" الحاد. حتى مايو 2026، ما زال الريال اليمني يعاني من انفصام القيمة:
- صنعاء: يستقر سعر الصرف عند حوالي 535 ريالاً للدولار.
- عدن: يتأرجح السعر حول 1560-1580 ريالاً للدولار.
هذا التباين خلق عبئاً إضافياً على المواطنين من خلال عمولات التحويل الداخلي الباهظة وفوارق الأسعار بين المدن.
حلول اقتصادية مقترحة للتعافي
يرى الخبراء أن المخرج يتطلب تجاوز المسكنات والبدء بخطوات تقنية جادة:
- منصة إلكترونية موحدة: إنشاء منصة مركزية تحت إشراف البنك المركزي لتنظيم بيع وشراء العملات الأجنبية، مما يحد من المضاربة.
- تحييد الاقتصاد: التوافق على "حزمة اقتصادية" مستقلة تضمن توحيد الإيرادات (النفط، الضرائب، الجمارك) في وعاء نقدي واحد لضمان ديمومة الرواتب.
- إلغاء التعويم الحر: اقتراح سياسات نقدية لتثبيت سعر صرف واقعي مدعوم باحتياطيات حقيقية.
خاتمة: المجتمع المدني والشباب.. القوة الناعمة للتغيير
في ظل هذا المشهد المعقد، يبرز دور الشباب اليمني ومنظمات المجتمع المدني كحائط صد أخير ضد الانهيار الشامل. لم يعد دور الشباب يقتصر على المبادرات الإغاثية فحسب، بل تحولوا إلى "قوة ضغط" اقتصادية وحقوقية عبر:
- الرقابة الشعبية: رصد الانتهاكات الحقوقية وتوثيقها دولياً لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب في أي تسوية قادمة.
- المبادرات الرقمية: ابتكار حلول تقنية لتسهيل التحويلات المالية وتقليل كلفة العمولات بين المحافظات المنقسمة نقدياً.
- إعلاء صوت الحقوق الاقتصادية: تحويل قضية "الراتب" و"توحيد العملة" من مطالب فئوية إلى قضايا رأي عام عالمية تربط استقرار المنطقة باستقرار معيشة اليمني.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على ما ستسفر عنه جولات التفاوض، بل على قدرة المجتمع المدني في الضغط لانتزاع الحقوق الأساسية، وتذكير العالم بأن السلام الذي لا يطعم الجوعى ولا يحفظ كرامة الإنسان هو سلام منقوص لن يصمد طويلاً
: googled110b9be6ded377e.html

تعليقات